الأحد، 17 يوليو 2011

القائد ابراهيم قبلة الغاضبين


لم تكن ثورة ..بل كانت تباريح مخاض ..طالت قبلها الأوجاع والآلام على مدى أيام وشهور وسنوات ,لم تكن أيضاً محض صدفة بل طال انتظارها وتطلعت الحواس لتتلمس بداياتها بشغفٍ حقيقى , إنتظرها شعباً زادت عليه وطأة الظلم والفساد الذى نخرت عظامه فلم يترك أمام شباب تلك الامة من عزاءٍ على الارض فاتجهت أنظارهم نحو السماء ,وتبدل صبرهم وصلواتهم من بعد صمتٍ الى غضبٍ بركانى تفجر مدوياً سمعته كل الكآئنات على الأرض وفى السماء ,وابت إلا أن تكون ثورة بيضاء الأيادى والصفحات,مهما عصفت بها رياح التغير ..ومن قلب ميدان التحرير بالقاهرة سمعت شتى بقاع الأرض هذا النداء نداء الحرية الذى استجابت له كل الارواح التواقة للمساواة والهروب من تحت عباءة النظام الفاسد الى أصالة الواقع المصرى الحقيقية ’فاستنفرت معها كل عاشقٍ لذلك , وإن كان ميدان التحرير بالقاهرة هو مهد ولادة تلك الثورة والقابعين على ارصفته وطرقاته حتى الآن لايملكون الا عنفوان الكلمة وحناجر قوية تصدح بها هم رعاتها وحماتها ..فأن الاسكندرية هى الرحم الذى حمل نطفتها الاولى 
                                                  البذرة

حادثة " خالد سعيد " بذرة الثورة الأولى ’ رغم وحشية تلك القبضة الدامية التى أودت بحياته ظلماً دون مبرر كانت نفس القبضة التى توهجت ناراً أمام الكثيرين من الشباب والناشطين الحقوقين بالاسكندرية وغيرها ..وكشفت عن ضيق مكنوناتهم وكاهلهم بما يستشرى فى جسد الامة من ظلم يغذيه الفساد وتسانده المصالح الشخصية حتى ولو حساب أرواح الأبرياء فانطلقت حملة "كلنا خالد سعيد " من على صفحات "الفيسبوك " ومواقع مدونات الشباب تردد ما يجول بخاطر شباب مصر جميعاً وتُظهر وعياً لم نعهده جميعا منهم ..واستمرت منذ السادس من يونيو 2010 تناهض قمع الغير مسؤلين من جهاز الشرطة والداخلية تجاه تلك القضية التى تابعها الرأى العام بإهتمام بالغ ..واستمرت الوقفات الاحتجاجية الصامتة التى طالما اشتاق اليها كورنيش الاسكندرية من جلسة محاكمة الى أخرى ..الامر الذى أكد على تلك القناعات هو الآخر لم يكن الا كارثة حلَت هى الأخرى على الاسكندرية مع اول ساعات الصباح الاولى لاول أيام العام الحالى , فى تمام الثانية عشر والثلث من صباح اليوم الاول من عام 2011، وأودت بحياة الكثيرين من الارواح البريئة التى لا ذنب لها سوى انها خرجت للاحتفال بعيد القيامة واستقبال عام جديد ..لم تكن تدرى ان اصابع وزير الداخلة السابق واعوانه من الجلادين قد اغتالوا تلك الفرحة البريئة التى علت وجوه الشهداء الذين تساقطوا بالعشرات مسلمين ومسيحين ولم تفصل أجسادهم حتى الآن أحياءاً او اموات ,من هنا انطلق اول نداء للإنتفاضة الشعبية بالخروج فى عيد الشرطة 25 يناير للإعلان عن المطالب الشعبية . ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل امتد الاستخفاف بأرواح الأبرياء فعصف بحياة المواطن السكندرى أيضاً" سيد بلال " الذى اعتقله ضباط امن الدولة فى السادس من يناير 2011 ثم أعادوه لاسرته فى اليوم التالى مباشرةً جثة هامدة مما أثار حفيظة المترددين فى الخروج وتلبية النداء الثورى ..فخرجوا مطالبين بالقصاص من قسوة رجال الشرطة ومطالبين باسقاط الحكومة والنظام البائدين ...
                                                                 
                                                     القائد ابراهيم

شهد ميدان محطةالرمل بالإسكندرية وخاصة مسجد القائد ابراهيم وقائع الثورة منذ انطلاق شرارتها الاولى حيث شهد على الوقفات الاحتجاجية التى نظمتها دعوة كلنا "خالد سعيد " وفى الخامس والعشرين من يناير ,استمرت يوميا تلك الحشود الثائرة المنتفضة تسجل بطول الكورنيش وطرقات ميدان محطة الرمل وجدران المسجد مع كل صلاة احتجاجها وكلمتها التى لن تتراجع عنها سوى باسقاط النظام كاملا وقرار التنحى ,وكلما مرت جمعة من جمعات الثورة التى بدأت بجمعة الغضب وامتدت حتى جمعة التطهير،تتزايد الأعداد حتى تخطت المليون ,بذلك المشهد المهيب .

أقيم مسجد القائد ابراهيم فى الذكرى المئوية عام 1948 لوفاة القائد " ابراهيم باشا " ابن "محمدعلى" والى مصر , حسب تصميم لمهندس ايطالى الأصل شغل منصب كبير مهندسى الأوقاف حيث اشرف على أعمال القصور والمساجد فى عهد الملك فؤاد الأول وكان حينها قد جدد بالفعل مسجد "المرسى أبو العباس" .

وهومن أشهر المساجد ليس بالإسكندرية فقط بل بمصر بأكملها يشتهر فى منظره بالزخارف المختلفة لعصورٍ مختلفة وينفرد بمئذنته الطويلة الرشيقة والتى تتميز عن مثيلاتها بوجود ساعة بها ’ وفى سحره بجذب المصليين من شتى بقاع الاسكندرية بل والمحافظات المجاورة وخاصة فى ليالى شهر رمضان لصلوات التراويح و التهجد وخاصة فى العشرة الأواخر من الشهر الكريم ,حيث ترتقى الاعداد فى تلك الايام الى ان تتخطى مئات الآلاف ,ملحق بالمسجد دار مناسبات خاصة تابعة له , يطل على البحر مباشرةً وعلى حدائق جميلة هى حديقة الخالدين فضلاعن ذلك أشهر ميادين الاسكندرية وهو ميدان سعد زغلول او" محطة الرمل " وبالقرب منه على بعد خطوات بسيطة وبمنطقة الشاطبى تقع مكتبة الاسكندرية .

أما فى الأونة الأخيرة أصبح مسجد القائد ابراهيم قبلة الغاضبين المنظمين للوقفات الإحتجاجية منذ الوقفات الخاصة بقضية خالد سعيد , والوقفة الاحتجاجية الخاصة بقضية الشهيدة "مروى الشربينى " المصرية السكندرية التى اغتيلت بألمانيا فى فبراير عام 2009 داخل إحدى قاعات محاكم مدينة "دريسين " على يد المتطرف الروسى الجنسية "اليكس " .

وهكذا كما تنطلق من داخل المسجد وقاعة المناسبات التابعة له الآيا ت القرآنية مودعة للعديد من أجساد المفقودين والمظلومين من ابناء الاسكندرية ..تعالت صيحات الرغبة الوحشية فى التغيير وأبت الا أن تهدأ وتستقر الا باسقاط النظام والقضاء التام على الفساد والمفسدين ...بمليونية شهدها العالم أجمع وتطلعت نحوها العيون .

الأربعاء، 11 مايو 2011

أيام الحرية فى ميدان التحرير (2)


الثلاثاء 1-2-2011  توجهت من ميدان التحرير إلي منطقة السيدة زينب حيث كان ينتظرني بعض أصدقائي علي مقهي هناك، شاهدت حركة مريبة في الشوارع وتجمعات بالقرب من مديرية أمن القاهرة وبالتحديد أمام مقر الحزب الوطني المحترق، شاهدت بعض اللافتات المؤيدة للرئيس مبارك في يد شباب كانوا يسيرون خلف مرشح الحزب الوطني عن دائرة الدرب الأحمر أحمد شيحة أثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وجوههم بالطبع معروفة جدًا، كانوا علي ما يبدو مستعدين للخروج في تظاهرة، مؤيدة للرئيس بعد خطابه الذي كنت أنتظره، وحينما وصلت إلي أحد المقاهي بالمنطقة كان الأمر طبيعيا جدًا وكنا نستمع لرواية رجل عن عملية سلب محل للخمور بالسيدة زينب وكيف أن البعض كان يخرج بصناديق البيرة والخمر وقرص الجبن الرومي. شاهدت خطاب الرئيس مبارك الذي بدأ مع اقتراب منتصف ليل الأربعاء في المقهي، ووشوشت صديقًا لي وقلت له إن المظاهرات ستجوب اليوم شوارع القاهرة أما غدًا فالأمر يبدو لي كارثيا، قلت له هذا ومبارك مازال يلقي خطابه، بدأت علامات الارتباك تزحف علي الوجوه، وجوه أصدقائي وبعض الذين كانوا يستمعون ويشاهدون الخطاب، ما أن انتهي مبارك من إلقاء خطابه والذي أعلن فيه نيته بعدم ترشيحه لولاية أخري وتعديل مادتي الدستور 76 و77 صفق البعض وهلل البعض الآخر وكان أغلبهم من كبار السن، أما الشباب فانقسموا لمؤيدين ومعارضين، كانت وجهة نظر المعارضين أن الرجل لم يأت بجديد وأن خطابه مجرد وعود، وأن تلك الوعود كنا نسمعها طوال الثلاثين عامًا الماضية، وأن النية تبدو مبيتة لتمثيلية جديدة يكون بطلها الرئيس مبارك وأبطالها الثانويون هم أعضاء الحزب الوطني الذين سيسيرون مسيرات التأييد والدعم لهذه الفترة وربما لفترات قادمة، أما وجهة نظر المؤيدين فكانت تؤكد أن الرجل وعد وعلي من يعتصمون في ميدان التحرير العودة مرة أخري لترك الرجل يعمل وأن يعودوا إلي أعمالهم وأن تعود الحياة إلي طبيعتها لأن الضرر كبير. أقل من خمس دقائق علي انتهاء خطاب الرئيس رأيت الحشود تسير وتخرج من كل مكان في منطقتي السيدة زينب والدرب الأحمر مع أن الساعة حوالي الثانية عشرة، أثرت العودة إلي منزلي وسط شكوك داخلية أن الأربعاء سيشهد كوارث حقيقية. (9) الأربعاء 2/2/2011 بالطبع حركة الناس غير عادية، مسيرات التأييد في كل مكان من الصباح مع الدعوة لمسيرة مؤيدة لمبارك أو بالأحري لاستقرار الأوضاع تنطلق من ميدان مصطفي محمود بالمهندسين، كانت التاسعة صباحًا تقريبًا عند دخولي لميدان التحرير، ارتسم القلق علي وجوه البعض أما البعض الآخر بدا أكثر إصرارًا علي الوجود في الميدان، قابلت صديقي الصحفي والكاتب خالد كساب الذي كان لتوه مستيقظًا من النوم، تجولنا في الميدان قليلاً كان يتحدث بلهجة تفاؤل عهدتها فيه كثيرًا، قلت له مخاوفي مما شاهدته خارج الميدان ومن توقعاتي بيوم دموي مما شاهدته في المساء والصباح فقال لي «لوعرفوا يجمعوا 250 نفر يبقوا شطار». تركني خالد ذاهبًا إلي بيته، وصلتني معلومات تفيد بأن المسيرات المؤيدة لمبارك تتجه إلي ميدان التحرير، وبعد ساعة من التجول والحديث مع البعض توجهت إلي مدخل الميدان بالقرب من كوبري قصر النيل، شاهدت مجموعة ترفع لافتات التأييد لمبارك ولكن قوات الجيش والشباب يمنعوهم من الدخول، ومن يدخل كان يلاقي بمنتهي الحزم، حذرت الكثير من شباب المعتصمين ألا ينجرفوا رواء مواجهات فهذا ما يريده هؤلاء، البعض كان يسمع والبعض الآخر لم يعبأ بكلامي. دخل أحد المؤيدين إلي الميدان ورفع لافتة مكتوب عليها «نعم لمبارك رئيسًا مدي الحياة» هرول إليه البعض وكنت منهم لأمنع الاحتكاكات ولكني لم أفلح، شعرت أن الأمر سيخرج عن السيطرة، فتوجهت إلي أحد ضباط الجيش وقلت له: - أنا: أبوس إيدك يا فندم هتحصل كارثة - ضابط الجيش: هم بيعبروا عن رأيهم زيكم بالضبط. - أنا: هتحصل مجزرة.. أبوس إيدك ماتدخلهمش. - ضابط الجيش: لو مدخلتهمش.. مش هدخل حد خالص بدا الضابط منفعلاً واتجه فعلاً إلي الحاجز ليغلقه، حينها رأيت الأستاذ محمد عبدالقدوس قادمًا صوبنا ودار حديث بينه وبين الضابط وسط انشغالي بمحاولات منع كوارث حقيقية. الساعة الحادية عشرة ولابد من الذهاب إلي الجريدة، خفت خوفًا حقيقيا توجهت إلي كل مداخل الميدان كي أخرج والمشاهد تقريبًا واحدة، محاولات للدخول من جانب المؤيدين للرئيس مبارك ومحاولات مستميتة من الشباب المعتصمين لمنع دخولهم، لكني في النهاية خرجت من مدخل شارع محمد محمود متوجهًا إلي الجريدة. لم أمكث في الجريدة كثيرًا ربما ساعتين أو ساعتين ونصف الساعة توجهت بعدها إلي ميدان التحرير، ربما في هذا الوقت تأكدت من أن الكارثة ستحدث، شاهدت المسيرات تجوب الشوارع وبالتحديد منطقة بولاق أبوالعلا وشاهدت سيارة نصف نقل هي بالطبع مأجورة وفي السيارة زجاجات فارغة لصنع قنابل «المولوتوف» الشهيرة والتي تصنع بمادة قابلة للاشتعال كالبنزين أو السولار وقطعة من القماش. دخلت الميدان بعد ساعة ونصف الساعة تقريبًا من مدخل شارع قصر النيل، رأيت المواجهات والصدامات بين المعتصمين في ميدان التحرير وبين البلطجية وأعتذر عن هذا التوصيف الذي يحمل وجهة نظري ولكن ما شاهدته هذا اليوم جعلني انقلب علي الجميع. تلقيت اتصالاً من صديقة تخبرني أنها ذاهبة إلي تظاهرة مصطفي محمود، لم أستطع تصديق ما تفعله خصوصًا أنها كانت من المؤيدين للمعتصمين في ميدان التحرير، لم أستطع النطق فيبدو أن خطاب الرئيس مبارك الأخير أحدث انقسامًا في صفوف المعتصمين أو المؤيدين لهم وهذا ما شعرت به يومها. اكتملت أركان الجريمة التي يرتكبها بعض أفراد النظام بدخول البغال والخيول والنوق إلي أرض ميدان التحرير الذي وللحق انقسم إلي قسمين، الأول يحاول الدفاع عن أرض التحرير ويقدروا بالمئات والقسم الأكبر عددًا وهو الذي مازال معتصمًا في قلب الميدان. وفي السادسة مساء سمعت دوي طلقات في محيط الميدان شعرت وقتها أن الأمر أصبح خطيرًا، وأن أخبار الإصابات في الوجه والرأس أصبحت كثيرة وأن القناصة منتشرون علي أسطح المنازل المحيطة، ولكن الاقتراب من مدخل عبدالمنعم رياض كان أشبه بمغامرة غير محسوبة العواقب لذلك قررت الخروج خوفًا علي حياتي. الغريب أن الأعداد كانت في تزايد كبير في الميدان، وحتي في طريقي للعودة إلي منزلي كانت جموع المنضمين إلي المعتصمين في ميدان التحرير غفيرة وهو ما كان يشعرني أن المواجهات ربما ستكون أعنف. كانت الحرب علي الإنترنت وخصوصًا علي موقع الفيس بوك عنيفة جدًا، رسائل من أصدقاء أعرفهم وآخرين لا أعرفهم منهم من يؤيد ومنهم من يعارض بعنف وسب وآخرين كانوا يرسلون رسائل تهديد ووعيد، عرفت أن الأمر لا يختص بي وحدي فكثير من الصحفيين والنشطاء والمثقفين المشاركين أو المؤيدين لثورة الشباب وصلت إليهم نفس الرسائل تقريبًا، ومنهم الإعلامية بثينة كامل. وصلتني أخبار من الميدان متضاربة، فأحدهم قال لي إن الأمر هادئ إلا من بعض المواجهات هنا وهناك، في حين قال لي آخر إن الأمر كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معاني وأقسم لي صديقي أنه رأي بعينه رجال فوق أسطح منزل مكون من ثلاثة أو أربعة أدوار يحملون أسلحة نارية، وقال لي أيضًا إن بعض أفراد جماعة الإخوان المسلمين هم من يشكلوا خط الدفاع الأمامي للمحتجين وأن أفراد القوات المسلحة الموجودين في ميدان عبدالمنعم رياض لا يستطيعوا فعل شيء فالمواجهات مشتعلة، ظل هذا الحال تقريبًا لساعات الفجر الأولي، أجلس أمام القنوات الفضائية العربية وأمام شاشة الكمبيوتر أتابع ما يحدث من حرب تبدو أهلية ولا نظام موجود في مصر. (10) الخميس 3/2/2011 لم أستطع النوم إلا ساعات قليلة، استيقظت في الثامنة صباحًا علي لقاء خارجي مع المستشار مرتضي منصور وهو يسير في جموع المتظاهرين بميدان مصطفي محمود ويقول بكل هدوء وتواضع وثقة يحسد عليها «بقول للولاد اللي في التحرير روحوا بيوتكم علشان مخليش دول يروحوكوا» وأشار إلي جمع حوله، وقتها شعرت أن الرئيس مبارك لا وجود له ولا وجود لأي شخص يحكم، شعرت أن مصر تدار ببركة دعاء الوالدين، شعرت أنها مباراة ملاكمة ستنتهي بالضربة القاضية أو بالنقاط إذا استمر العناد بين الجانبين. أخذت طريقي إلي ميدان رمسيس، وأمام قسم شرطة عابدين أوقفتني لجنة شعبية لكنها لم تكن كذلك فكانت لجنة بلطجية ودار الحديث التالي بيني وبين شاب لم يتعد العشرين أو ربما أكثر قليلاً يحمل سيفًا كبيرًا: - البلطجي: بطاقتك - أنا: اتفضل أعطيت له بطاقة هويتي نظر إليها نظرة بلهاء تنم علي أنه لا يعرف القراءة والكتابة واكتفي بأنه نظر إلي الصورة - البلطجي: رايح فين - أنا: رمسيس - البلطجي: ليه؟ - أنا: شغلي هناك - البلطجي: بتشتغل إيه؟ - أنا: صحفي - البلطجي: آآآه قالها وكأنه وجد غنيمة، طرق بسيفه مقدمة التاكسي البلطجي: طب انزل لي ووريني الكارت بتاع الصحافة قطعًا هو يقصد «الكارنيه» لكنه نطقها «كارت»، أخرجت له «كارنيه» اشتراكي في ساقية الصاوي الذي لا يحمل أي مهنة، قصدت إخراج هذا «الكارنيه» لشيء في نفسي، نظر البلطجي نفس النظرة البلهاء وقال - البلطجي: م الآخر رايح التحرير؟ - أنا: يا راجل تحرير إيه.. أنا صحفي فن وماليش دعوة ببتوع التحرير الـ (........) دول خالص - البلطجي: كده أنت أصلي وكفاءة واحترام نعم مارست «التقية» خوفًا علي حياتي، كما أنني أثبتت لنفسي أن هؤلاء البلطجية لن يمنعوا أحدًا من التواجد في ميدان التحرير لأنهم بالتأكيد جهلاء. في الثالثة عصرًا مررت من ميدان عبدالمنعم رياض رأيت البلطجية يتمترسون فوق كوبري أكتوبر ويقذفون بالحجارة وقنابل المولوتوف وكان البعض الآخر يقف أعلي أسطح المنازل المجاورة للميدان، وأصبح الحال عبارة عن عمليات كر وفر بين الجانبين. سرت كثيرًا علي قدمي في منطقة «وسط البلد» والكل في حالة دهشة لما يحدث في ميدان التحرير الذي توجهت إليه في حوالي السابعة مساء وبقي الأمر كما هو عليه. (11) الجمعة 4/2/2011 كان يومًا غير عادي، بدأت الصحف القومية والبرامج التليفزيونية علي التليفزيون المصري تؤكد أن البلطجية الذين قتلوا وهاجموا المتظاهرين في ميدان التحرير هم من المأجورين، وأن التحقيقات سيتم فتحها لمعرفة من وراءهم، بالفعل قلّ عدد البلطجية في الشوارع صباح هذا اليوم، واخترقت الجموع كل الحواجز الأمنية في طريقها إلي ميدان التحرير لأداء صلاة الجمعة هناك. وقف الشيخ جمال قطب وخطب في الناس وما إن انتهي حتي صرخ الجميع «باطل.. باطل.. حسني مبارك.. باطل.. الحزب الوطني.. باطل.. السفاحين.. باطل.. المرتشين.. باطل.. حبيب العادلي.. باطل... إلخ، كان المشهد جللاً وصادقًا، وبعد صلاة الجمعة بوقت قليل تبادر إلي أسماعنا أن السيد عمرو موسي أمين عام جامعة الدول العربية يستعد لدخول ميدان التحرير، وتواردت أنباء في الداخل أنه كان يشد من أزر المعتصمين المتوجهين إلي الميدان وكان يشير لهم بعلامات النصر. كان يومًا صعبًا، هي المليونية الثانية، كان مجرد الانتقال من مكان إلي مكان داخل الميدان ضرب من الخيال، تقديري للعدد هو المليون فعلاً. منتصف النهار سمعنا البعض يهاجم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لم أكن أدري لماذا هذا السخط والهجوم خصوصًا أن أجهزة المحمول لم تكن تعمل بكفاءة هذا اليوم لأجري أي اتصالات للتواصل مع ما يحدث خارج الميدان، واعتقد أن السبب في ذلك هو هذا العدد الكبير من الناس الذي ظل في التزايد حتي ساعات النهار الأخيرة، أعود لاكتشف أن سبب سخط بعض الناس علي إيران هو خطبة الجمعة التي ألقاها آية الله الأعلي للجمهورية الإسلامية علي خامئني باللغة العربية والتي ذكر فيها أن المصريين استلهموا مبادئ الثورة الإسلامية وأن كل الثورات الشعبية التي يقوم بها العرب في منطقة الشرق الأوسط هي صحوة إسلامية، كان هناك إصرار غريب عند الجموع أن الثورة هي ثورتهم دون استلهام أو تأثر، وأن الثورة لا ترفع أي شعارات دينية، لذلك صاح كثير من المتجمهرين في الميدان «مدنية.. سلمية». كانت السادسة مساء تقريبًا جاءني اتصال من الإسكندرية يؤكد أن المشهد هناك مهيب جدًا وخصوصًا عند مسجد القائد إبراهيم بمنطقة سيدي جابر، وأن أعداد المتظاهرين هناك تقترب من المليون، وأن ما يحدث بالإسكندرية يحدث في أماكن عدة في أنحاء جمهورية مصر العربية، كما وردتني أنباء أن حزب الوفد قبل الحوار مع نائب الرئيس عمر سليمان وأن حزب التجمع متردد بينما الإخوان المسلمين يرفضون، حينها لم أستطع معرفة رأي محدد للجموع في التحرير ففي المكان الواحد تسمع أكثر من رأي كان البعض يري أنه لا تفاوض بعد رحيل النظام، بينما كان البعض الآخر يؤكد ضرورة الحوار كي نعرف ماذا ينوي النظام فعله الفترة القادمة مع دعوات البعض أن النظام يستجيب لبعض المطالب وأنه سيستجيب للبقية مع الضغط الحادث من ميدان التحرير. شاهدت في هذا اليوم مجموعة كبيرة من الفنانين والمشاهير منهم الملحن الكبير عمار الشريعي وعمرو واكد وخالد النبوي وعزة بلبع التي غنت أغاني الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، شاهدت أيضًا لاعب الكرة السابق نادر السيد والمفكر محمد سليم العوا عضو إحدي لجان الحكماء التي سمعنا عنها والتي سمعنا أيضًا أن أعضاءها يجوبون الميدان هذا اليوم ومنهم رجل الأعمال نجيب ساويرس. في السابعة كان الميدان كله يهلل ويكبر بسبب خبر أذاعه شاب كان يمسك ميكروفونًا وهو القبض علي مجموعة من مساعدي وزير الداخلية السابق حبيب العادلي ونبأ عن التحقيق مع الوزير رشيد محمد رشيد وتجميد أرصدته ومنعه من السفر، وهي الأخبار التي نفتها وزارة الداخلية لاحقًا بينما صرح رشيد لقناة العربية أنه متواجد في الإمارات وأنه عرف بقرار التحقيق من الإعلام فقط. (12) السبت 5/2/2011 استيقظت صباحًا علي خبر أذاعته القنوات الإخبارية نقلاً عن التليفزيون المصري يفيد بأن عمر سليمان تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة قتل علي إثراها اثنان من حرسه الشخصي، إضافة إلي أنباء عن تفجير في الخط الذي يمد إسرائيل بالغاز الطبيعي، ثم سرعان ما تم تعديله أنه الخط الذي يمد الأردن، لم أفهم خصوصًا أن الوقت كان قصيرًا كي أجلس أمام التليفزيون. في طريقي لميدان التحرير وجدت زحامًا شديدًا أمام محافظة القاهرة وعندما سألت أحدهم قال لي إن المحافظة تعطي منازل بأسعار زهيدة جدًا، وعندما حاولت أن استفسر عن الشروط أو الاستمارة قال لي مفيش شروط، الاستمارة تباع في الشباك ده.. وأشار لي إلي مكان لم يبدو لي شباكًا من كثرة الناس أمامه. أدركت في الحال أنها حيلة لإخراج الناس من حالة الثورة لحالة الرحلة للحصول علي شقة، لم أكن أدري كيف تفكر الحكومة، هل مازالت تفكر في هذه الطرق التقليدية القديمة لإلهاء الناس؟، ربما أصبح الشعب أكثر وعيا بل ربما فقط هي النخب الأكثر وعيا. كان تواجد الشرطة مكثفًا نسبيا في الشوارع، رأيت بعيني حزنًا وخجلاً في وجوه بعض ضباط الشرطة المتواجدين، في هذه اللحظة توجهت بالحديث إلي أكثر من ضابط عما حدث في يوم الجمعة 28/1/2011، قال لي البعض إنه لم يتلق أوامر بالانسحاب من الشارع، بينما ذكر لي آخرون أن الأوامر جاءت صريحة بالانسحاب لأن كل الأقسام حرقها المتظاهرون، حتي أن بعضهم قال لي «أنا قلعت البدلة الميري ولبست مدني وروحت علي بيتنا». أما في ميدان التحرير فالأمر كما هو، مع دعوات كثيرة للمظاهرة المليونية الثالثة يوم الأحد. (13) الأحد 6/2/2011 اتجهت إلي ميدان التحرير في الرابعة والنصف تقريبًا في مدخل كوبري قصر النيل، وقفت في طابور طويل احترامًا للنظام الذي وجدته هذا اليوم، كان أحدهم يقول للذين يحاولون التحايل لعدم الوقوف في الطابور «يا أخواننا إحنا عازين نسقط النظام علشان يبقي فيه نظام»، الجميع بدا متعاونًا، من يفحص بطاقة الهوية يركز علي المهنة ومن يقوم بالتفتيش يبتسم ويعتذر. في الداخل كانت صور الشهداء والضحايا تملأ الميدان، اعتقد أن إصرار المعتصمين قد تضاعف مع وجود تلك الصور، أصبحت أشاهد أطفالاً تزين وجوهها بألوان علم مصر، أدركت أن الأمر أصبح كرنفالاً حقيقيا. تعالت الصيحات في السابعة تقريبًا مع أنباء إقالة جمال مبارك وصفوت الشريف من هيئة مكتب الحزب الوطني وتعيين حسام بدراوي مكانهما، ثم تعالت الصيحات أكثر وأكثر مع نبأ استقالة الرئيس حسني مبارك من منصبه كرئيس للحزب الوطني وهو الخبر الذي نفاه وزير الإعلام السابق أنس الفقي لاحقًا. شاهدت في هذا اليوم زحامًا شديدًا حول الإعلامي حمدي قنديل وزوجته النجمة نجلاء فتحي، أما اللاعب نادر السيد فكان يقود بعض التظاهرات بنفسه، وفي الليل كانت الأنباء عن قرب إطلاق سراح وائل غنيم صاحب صفحة «كلنا خالد سعيد» علي موقع الفيس بوك. (14) الاثنين 7/2/2011 توجهت في ظهيرة هذا اليوم إلي نقابة الصحفيين حيث الدعوات لتأبين شهيد الصحافة أحمد محمد محمود زميلنا في دار التعاون سابقًا والتي تم دمجها لمؤسسة الأهرام، بدا الأمر في البداية عاديا لكنه انقلب بعد أقل من ساعة إلي مظاهرة ضد نقيب الصحفيين مكرم محمد أحمد لموقفه من ثورة الشباب، حتي أن الرجل أراد المشاركة في التأبين منعه الصحفيون وبعض المؤيدين لهم، وتبادر إلي مسمعي أنباء عن اعتداء بالأيدي علي النقيب. قلت ساعات حظر التجوال ليبدأ من الساعة الثامنة مساء وينتهي في السادسة صباحًا، وميدان التحرير مازال علي حاله، كانت الصيحات تتعالي أحيانًا مع أنباء الإفراج عن وائل غنيم، كما كانت الاحتجاجات تتواصل مع الأنباء التي تواردت عن اكتشاف بعض الموجودين أمام محافظة القاهرة أن موضوع الشقق غير حقيقي وأن الاستمارات يتم تمزيقها داخل مبني المحافظة. حصلت في هذا اليوم علي الاستمارة التي كانت توزع أمام المحافظة مقابل خمسة جنيهات وكان نصها «السيد الوزير/محافظ القاهرة تحية طيبة، بعد الأحداث الأخيرة التي شملت جمهورية مصر العربية قام بعض أصحاب المنازل بطرد من يقومون باستئجار الشقق قانون جديد وأصبحوا لا مأوي لهم غير الله، ونرجو من سيادتكم الرعاية والعطف ولسيادتكم جزيل الشكر والتحية». الحرب علي الإنترنت خفت حدتها إلا من البعض الذين حاولوا إفساد صورة الشباب المعتصم في التحرير علي أن من بينهم ساقطي الأخلاق وشواذ وهو أسلوب اعتاده البعض لتشويه الصورة التي ظهر عليها الشباب، وردد البعض في الميدان أن ساقطي الأخلاق والمنتفعين والمرتشين والفاسدين هم من يروجون تلك الشائعات. (15) الثلاثاء 8/2/2011 في طريقي إلي ميدان التحرير مكثت أكثر من ساعة أمام محافظة القاهرة لأشهد ثورة الآلاف علي مبني المحافظة ومحاولة الكثير اقتحام المبني الذي كان يحميه بعض أفراد الجيش، كانت الهتافات لاذعة للرئيس مبارك ولحكومته، أدركت أن ميدان التحرير سيشهد انضمام ثوار آخرين وهو ما حدث بالفعل، فاليوم كان يوم المليونية الرابعة واعتقد أن الأعداد ازدادت علي المليون، وكانت كل الطرق المؤدية لميدان التحرير مغلقة تمامًا بالمتظاهرين. شاهدت في الميدان الأراجوز الذي كنت أنتظره، لتكتمل أركان الفرجة الشعبية، شاهدت خيمة كتب عليها ساكنوها «فيللا الثورة»، شاهدت شبابًا يمسكون بعدة حلاقة الشعر، وتواردت أنباء عن اعتصامات في كل مكان خارج الميدان، الجميع يتظاهرون ليس لإسقاط النظام ولكن إحساس بأن الصوت الذي يسمعه سكان المحروسة من ميدان التحرير أصبح عاليا، ناهيك عن استجابة السلطة لبعض المطالب، الكل أيقن أن في مقدوره التغيير والتعديل. أتي وائل غنيم إلي ميدان التحرير، دخل الميدان كبطل شعبي محمول علي الأعناق، وقف علي خشبة المسرح التي صنعها الثوار في الميدان وتحدث بهدوء وشجن وصعدت إلي المسرح والدة المرحوم خالد سعيد فاحتضنت وائل في مشهد أبكي العديدين. بدأ الناشطون من الشباب يقيمون نصبًا تذكاريا لشهداء الثورة من الشباب، أحضروا صورًا لهم مع باقات من الورود والشموع والبخور، المشهد كان إنسانيا جللاً. في الليل بدأت الدعوات لإقامة اعتصام أمام مجلس الشعب وبالفعل بدأ الزحف إلي هناك وانضم إليهم مجموعة المعتصمين أمام دار روزاليوسف المطالبين برحيل كرم جبر رئيس مجلس إدارة المؤسسة وعبدالله كمال رئيس تحرير المجلة والجريدة. فشل تامر حسني في الدخول إلي الميدان وقام البعض بالتهجم عليه، وجاءتني أنباء عن فشل عمرو أديب وأيضًا أحمد السقا، ولم أشاهد هذا بعيني. (16) الأربعاء 9/2/2011 توجهت إلي ميدان التحرير في الصباح، قابلتني فتاة قالت إنها من إذاعة صوت الثورة، وتريد لقاء معي، رفضت مع رغبة مني أن أعرف ما هي طبيعة هذه الإذاعة، لكني شعرت أنه أمر سري. أنباء الاعتصامات كانت تأتيني من كل مكان، بدا الميدان أكثر هدوءًا واستقرارًا، شاهدت مجموعة من الشباب بدأوا في صنع دورة للمياه مع وجود مواسير وكابلات، شاهدت أيضًا مجموعة تدعو إلي إقامة معرض للكتاب يكون عوضًا عن المعرض الرسمي الذي تم تأجيله أكثر من مرة، شاهدت خيمة كتب عليها الشباب «صيدلية الثورة» وتحتوي علي عقاقير للجروح ولمرضي السكر. أتي النجم أحمد السقا إلي الميدان حوالي الرابعة عصرًا عاني كثيرًا كي يسمح له بالدخول، وكان يردد «أدخل اعتذر وأمشي علي طول»، ومعروف أن اعتذاره للشباب كان بسبب تصريحاته التي هاجم فيها المعتصمين بميدان التحرير، دخل السقا برفقة الممثل حمدي الوزير إلي أن وصل إلي إحدي الإذاعات الموجودة في منتصف الميدان ومسك الميكروفون معتذرًا عما بدر منه من تصريحات وهتف في الجموع «تحيا مصر». خرجت من الميدان حوالي السابعة والنصف، علمت بنبأ استقالة وزير الثقافة د.جابر عصفور وأنباء عن تولي أشرف زكي نقيب الممثلين حقيبة الوزارة، أكد لي الكثيرون من المثقفين استحالة تولي زكي وزارة الثقافة لأنه أصبح من الوجوه المكروهة في الشارع. ذهبت إلي المنزل ولكن سرعان ما عدت مرة أخري لميدان التحرير، فقد بدا لي الخروج من الميدان كأنه خروج من دنيا ارتضيت الحياة فيها، ولكن عودتي هذه المرة كانت برفقة أصدقاء لم يأتوا إلي الميدان من قبل، وكان الذهول هو ما ارتسم علي الوجوه. (17) الخميس 10/2/2011 كان الصباح عاديا في ميدان التحرير، لقد كانت إقامتي شبه دائمة هناك، توجهت في الحادية عشرة تقريبًا إلي الجريدة في الزمالك ثم ما لبثت أن ذهبت إلي وقفة احتجاجية لإخواننا في جريدة المسائية علي سلم نقابة الصحفيين، بعدها توجهت مع أخي إلي ميدان التحرير، برفقة عمي المخرج والسيناريست عصام الشماع الذي كان ينوي تصوير بعض اللقطات ليضمنها في فيلمه الأخير «الفاجومي»، كانت الرابعة عصرًا تناثرت الأقاويل حول أن المجلس الأعلي للقوات المسلحة سيصدر بيانًا بعد اجتماعه المستمر، وبالفعل لم تمر نصف ساعة حتي جاء إلي الميدان قائد المنطقة المركزية حسن الرويني واعتلي أحد المسارح ليقول بالحرف الواحد «كل مطالبكم هتتحقق النهاردة» هتف الجميع وربما جميع من في الميدان «الشعب يريد إسقاط الرئيس» صمت الرجل ثم تحدث ثانية «أنا بقول كل مطالبكم هتتحقق ومش هكررها.. بس المهم نخاف علي البلد.. المهم ما تخربش في مصر ونحاول نبنيها» هلل الجميع مرة أخري «الجيش والشعب يد واحدة» بعدها أصر الرويني أن يغني مع الناس النشيد الوطني. أحس كل من في الميدان أن الأمنية قد اقتربت، البعض افتعل بعض السيناريوهات وكان أكثرها شيوعًا أن الجيش قام بانقلاب عسكري، لم تنقطع الاتصالات بيني وبين كل أصدقائي والجميع يؤكد أن الرئيس مبارك ربما يتنحي الليلة، ربما تكون الشائعات قد وصلت للجميع حتي المخابرات الأمريكية التي توقعت التنحي، إضافة إلي تصريح رئيس وزراء مصر أحمد شفيق «أن مبارك قد يتنحي الليلة» وتصريح حسام بدراوي الأمين العام للحزب الوطني «الأفضل أن يتنحي الرئيس» وغيرها من التصريحات التي كانت تؤكد علي شيء واحد هو أن اليوم الخميس هو يوم إسقاط النظام. في الخامسة تقريبًا صدر البيان العسكري الأول من المجلس الأعلي للقوات المسلحة يؤكد مشروعية مطالب الشعب وأن المجلس في حالة انعقاد دائم ومستمر. خرجت من الميدان قليلاً وجدت أجواء احتفالية حقيقية، السيارات بدأت تعلق الأعلام، سمعت زغاريد في كل مكان في وسط البلد، مررت أمام مقهي زهرة البستان وجدت الروائي مكاوي سعيد وقد أمسك بعلمه ولوح به إلي قائلاً «مبروك»، الجميع كان في حالة سعادة، ربما لم يتوقع أحد نتيجة إلا تنحي مبارك. في السابعة والنصف أعلن التليفزيون المصري أن الرئيس مبارك سيوجه كلمة للشعب، فازداد الحديث عن أنه ربما يكون الخطاب الأخير لمبارك، كنت في الميدان وقتها، كانت الأجواء الاحتفالية أيضًا كبيرة وعديدة، وقفت إلي جوار مجموعة يرقصون ويغنون علي أغنية الراحل محمد حمام «يابيوت السويس» وأغنية «غني يا سمسمية»، الأغاني الوطنية ملأت ميدان التحرير بداية من «وطني حبيبي الوطن الأكبر» حتي أغنية نانسي عجرم «لو سألتك أنت مصري». بدأ الخطاب في العاشرة والنصف تقريبًا، شعرت في البداية أنه ليس خطابًا للتنحي، في منتصف الخطاب اعترض جميع من في الميدان علي لهجة الرئيس مبارك المتعالية المتكبرة، اعترضت مجموعة اعتراضًا غير لائق بالمرة ولكن الجميع كان يصرخ بأعلي صوته «ارحل.. ارحل»، حتي أنني لم أستطع سماع باقي الخطاب الذي ذكر فيه تفويض سلطاته لنائبه عمر سليمان. شاهدت بعيني شابًا يبكي بشدة ويقول «حرام.. والله حرام.. البلد هتخرب.. هو عايز يسيبها خربانة»، لم أستطع المكوث كثيرًا في الميدان. أثناء خروجي كانت الدعوات للذهاب إلي القصر الرئاسي بمصر الجديدة تتزايد وكانت الصيحات «يوم الجمعة العصر.. هنهد عليه القصر»، الكل كان يذكرنا أن الجمعة هو اليوم الأخير لهذا النظام. خرجت من الميدان توجهت إلي أحد مقاهي وسط البلد مع أصدقائي كي أشاهد خطبة عمر سليمان التي لم تختلف كثيرًا سوي في دعوته لجميع المحتجين أن يتركوا الميدان وأن يذهبوا إلي أعمالهم، لاحظت أن الأجواء الاحتفالية انقلبت وأصبحت أجواء حزينة مع غياب تام للشرطة. (18) الجمعة 11/2/2011 اكتمل الفصل الأخير وتنحي الرئيس مبارك في الساعة الخامسة تقريبًا تاركًا السلطة في يد القوات المسلحة، لتعم الفرحة بسقوط النظام.
                           توثيق محمد الشماع

أيام الحرية فى ميدان التحرير (1)


 25/1/2011 «الثلاثاء» لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن يتجاوز عدد المتظاهرين من الشباب في ميدان التحرير الألف، ولم أكن بشكل شخصي أتوقع أنني سأظل في المنزل إلي الساعة الرابعة أتابع الأخبار عبر القنوات الفضائية العربية التي اهتمت يومها بالأحداث التي وقعت في لبنان والتظاهرات التي دعا إليها أنصار تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري احتجاجًا علي حل الحكومة والإتيان بنجيب ميقاتي رئيسًا جديدًا للحكومة هناك ومن ثم ظهور الحريري مرة أخري يدعو إلي وقف التظاهر والاحتجاج انتظارًا للمشاورات، أقول هذا لأنه حينها قفزت إلي رأسي فكرة عن مقدرة هذا الشاب الوسيم علي تحريك آلاف وهي الفكرة التي انتهت تقريبًا من أدبياتنا السياسية والفكرية في مصر. القنوات الفضائية العربية والمصرية تقريبًا خذلتني في متابعة ما يجري بميدان التحرير اللهم إلا بعض النشطاء علي الفيس بوك الذين كانوا يضعون مشاهداتهم عليه وبعض الاتصالات الهاتفية التي تأتيني من هناك لاطلاعي علي الوضع كاملاً، لكنني اعتقدت أن ما أفعله غير كاف للوقوف علي حجم التظاهرة أو مطالبها أو القمع الذي تلقاه التظاهرة من الجانب الأمني، وحين بدأ الاكتئاب والقلق يدبا في جسدي قررت النزول والاتجاه إلي ميدان التحرير. كانت حركة المرور طبيعية بالكاد لكن اسم ميدان التحرير بدا أكثر إزعاجًا لسائقي التاكسي فأخذت السير علي قدمي خصوصًا أن الميدان قريب من منزلي، كانت الخامسة تقريبًا لم تنقطع الاتصالات للتعرف علي الوضع، مررت بميدان طلعت حرب وجدته مكتظًا بسيارات الأمن المركزي وجنوده كذلك شارع قصر النيل ومن قبله ميدان عابدين وشوارعه الجانبية، أسطول كبير من جنود الأمن المركزي يتبادلون القفشات التي لا أفهمها لطبيعة لهجتهم الريفية، أما الضباط فاكتفي البعض بالحديث في التليفون والبعض الآخر بقراءة الصحف. كثر الحديث عند اقترابي من الميدان عن محاولات عديدة لفض التظاهرة سواء بالقنابل المسيلة للدموع أو بخراطيم المياه أو بالهراوات، كما كثر الحديث عن محاولات بعض جنود الأمن المركزي منع متظاهرين جدد من الدخول، لكن لم يحدث ذلك فدخولي ميدان التحرير كان أشبه بالعادي، نعم كان جنود الأمن المركزي مصطفين في مداخل الميدان لكنهم لم يشكلوا أي إعاقة لي وللكثير من المنضمين، ربما كانت الإعاقة هي انقطاع شبكات المحمول عن العمل وعزلنا تقريبًا عن العالم الخارجي. مع دخولي الميدان كانت الوجوه مألوفة لي إلي حد كبير، صافحت الكثير من أصدقائي الذين لم أرهم منذ فترة، حتي أن أحدهم طلب مني أن ألتقط له صورة للذكري، كان الهدوء يخيم علي الوضع الأمني وكان المتظاهرون يهتفون بسقوط رموز النظام ومن كانوا سببًا في تزوير انتخابات مجلس الشعب، والبعض كان يردد هتافات معادية للرئيس نفسه باعتباره سببًا فيما يحدث من غلاء وبطالة وبلطجة وترد وقمع، إلا أن كل هذا تبدل فجأة، فأخذت أصوات القنابل تدوي في الميدان، عشرات من القنابل المسيلة للدموع تهبط علي رؤوسنا وتفرقنا ولكن سرعان ما تتم العودة مرة أخري، حدثت اشتباكات عديدة بين بعض المتظاهرين وبين رجال الأمن، شاهدت بعيني كثيرًا من الجرحي وكثيرًا جدًا من الذين تم اعتقالهم في ساعات النهار وأفرج عنهم ومن بينهم المخرج عمرو سلامة الذي رأيته جالسًا علي الرصيف وقد ظهرت علي وجهه وملابسه آثار الضرب، وتحدث البعض عن آخرين لقوا نفس المصير. هدأ الوضع في الميدان مرة أخري بحلول التاسعة مساء، وكان البعض كان يخشي من هجوم أمني جديد، كما أن البعض وخصوصًا من شباب 6 إبريل وحركة خالد سعيد اتفقوا علي الاعتصام مجددًا في اليوم الذي يليه أيضًا، واستمرت الأحاديث والمعلومات في تدفقها، وبحلول العاشرة بدأت علب المياه الغازية تتدفق وصناديق المياه وبعض المخبوزات والبقسماط، سألت عن مصدرها أكد لي البعض أنه بعض الشباب المتحمس المتطوع، وأكد لي البعض الآخر أنه رجل الأعمال المهندس ممدوح حمزة، وقال آخرون إنه نجيب ساويرس، لكنني أكاد أجزم أنه كل هؤلاء، فهو سلوك جمعي يفعله المصريون وقت الشدائد. استمر الهدوء ومعه استمرت القفشات هنا وهناك، حتي بعد توارد أنباء عن مطالب قوي المعارضة السياسية في البيان الذي ألقاه د.السيد البدوي رئيس حزب الوفد، كما استمرت الهتافات والتي دخل عليها هتاف جديد سمعته في التظاهرات التونسية مرارًا وهو «الشعب يريد إسقاط النظام»، كان ذلك تقريبًا في الحادية عشرة ليلاً وظهرت دعوات للمبيت في الميدان وهو ما رفضته حيث توجهت للبعض ومنهم الأستاذ محمد عبدالقدوس ورئيس حزب الغد أيمن نور لأننا سنصبح وقتها عرضة للاعتقال أو مجددًا للاشتباك مع رجال الأمن المركزي بهراواتهم وخراطيمهم وقنابلهم ولم أعرف وقتها لماذا شعرت برهبة علي الرغم من أنني واجهت العديد من المواقف الصعبة مع رجال الأمن، لكن ما كان يحدث أمامي من إصرار غريب علي المبيت هو ما أقلقني يومها. وجاءت ساعة الحسم تقريبًا بعد الثانية عشرة بقليل، سيل من القنابل وبلا هوادة، خراطيم المياه، ضرب بالهراوات، اقتحام بالسيارات المصفحة، كان هناك إصرار أيضًا من رجال الشرطة علي إخلاء الميدان تمامًا، استغرق هذا الوضع غير الآمن بالمرة حوالي ساعتين، اعتقلت الشرطة العديد من الشباب، وأصيب آخرون ونجحت الشرطة بالفعل في فض الاعتصام رغمًا عن محاولات البعض للتجمع مرة أخري في الشوارع الجانبية الضيقة للميدان، كما أن البعض توجه للاعتصام في ميدان طلعت حرب ولكن الأعداد أصبحت أقل بكثير مع خروجنا من الميدان، تقريبًا كان الجميع يتحدثون في الموبايل لطمأنة ذويهم بعد هذا الانقطاع الطويل عن التواصل هاتفيًا في الميدان، وبحلول الثانية والنصف كان الوضع قد هدأ تمامًا في منطقة وسط المدينة. (2) 26/1/2011 «الأربعاء» استمرت الأخبار عن محاولات للتظاهر في ميدان التحرير لكنها في العادة ما كانت تنتهي بفعل رجال الأمن، كان الاعتصام الأبرز عند نقابتي الصحفيين والمحامين، هذا ما شاهدته أثناء مروري من هناك، وكان الأمن قد لجأ إلي حيلته المعروفة وهي نشر بعض من رجاله بزي مدني، لكن وجوههم أصبحت مألوفة لنا، الغريب أن أجسامهم أصبحت مليئة عما ذي قبل وهو ما يعيق حركتهم أثناء الجري. كانت الرابعة والنصف تقريبًا، سمعت أخبارًا عن عمليات سحل لبعض الصحفيين المعتصمين ومنهم الأستاذ محمد عبدالقدوس وكان الطريق من شارع رمسيس إلي ميدان التحرير حيث محاولات التجمع مليئًا بالغموض، فمظاهرة قوامها العشرات كانت تقابل بمنتهي العنف من جنود الأمن المركزي سواء من ذوي البذات السوداء أو ذوي اللباس المدني، وكان العنف دائمًا ما يقابل أيضًا بعنف، فأشعل بعض الشباب إطارات السيارات وحدثت اشتباكات عنيفة في شارع رمسيس إلا أنه عند وصولي إلي التحرير تم إيقافي من هؤلاء. - الرجل: رايح فين؟ - أنا: مروَّح البيت. - الرجل: بيتك فين؟ - أنا: الحلمية الجديدة. - الرجل: وجاي التحرير من هنا ليه.. ما عندك العتبة تروَّح منها؟ - أنا: اللي حصل. - الرجل: طب خليك واقف هنا. جذبني الرجل إلي جانب الطريق، ثم جذبني آخر إلي شارع جانبي فوجدت مثلي حوالي عشرة شباب يحيطهم بعض هؤلاء الرجال الشرطيين من ذوي اللباس المدني، شعرت وقتها أني رهن الاعتقال ولكن لم أكن أدري ماذا أفعل، فكرت في الحديث إلي أحد من أهلي ولكن خفت أن أتسبب لهم في قلق، شعور غريب في مصير لا أعرفه، استغرق هذا الوضع دقائق، لم ينقذنا إلا مظاهرة أو تجمع شبابي مكون من عشرات أيضًا خرج أصحابنا الذين كانوا يحتجزوننا لمواجهته فهربنا إلي ميدان عبدالمنعم رياض جريًا. خرجت إلي الكورنيش والوضع مازال ملتهبًا، سرت إلي جاردن ستي ودخلت في شوارعها الجانبية إلي أن وصلت إلي شارع قصر العيني أمام مجلس الشوري، كان الميدان خاليًا تقريبًا من المارة، السيارات كانت تسير بشكل عادي، حركة المرور كانت أسهل من المعتاد ولكن سيارات الأمن المركزي كانت متواجدة بكثافة ورجال الشرطة الآخرين كانوا أيضًا متواجدين بكثافة علي كل مداخل الميدان، علي باب شارع التحرير أوقفني أحدهم وسألني نفس السؤال «رايح فين؟» رددت نفس الإجابة «مروَّح البيت» وكأنه نسخة طبق الأصل من الحديث الماضي إلا أن الرجل كان رحيمًا ولم يحتجزني وقال لي «علي بيتكوا عِدِل». كانت الأنباء المتواردة لدي أن الاعتصام قد بدأ في ميدان طلعت حرب، توجهت إلي هناك حوالي السادسة مساء أو ما يزيد بقليل، وكان التجمهر أقل، ولكن هتاف «الشعب يريد إسقاط النظام» كان يدوي في الميدان الصغير وبعض الشوارع الجانبية، قابلت بعض أصدقائي في شارع مؤدي إلي ميدان طلعت حرب، وسمعت عن اعتقالات عديدة في صفوف الشباب وبعض النشطاء السياسيين والصحفيين، سمعت أيضًا عن إصابات خطيرة، سمعت عن حالات وفاة، لم أتأكد فكان الوقت ملائمًا للشائعات ولكن الحقيقة المؤكدة في هذا الوقت أن دخول ميدان طلعت حرب أصعب كثيرًا من الحصول علي تأشيرة لأمريكا. المواجهات كانت كبيرة وعنيفة ولكن الأمر لم يستغرق طويلاً ونجحت الشرطة بجناحيها الرسمي وغير الرسمي في فض الاعتصام تقريبًا بحلول العاشرة. (3) 27/1/2011 «الخميس» توجهت في حوالي التاسعة إلي ميدان التحرير قادمًا من ميدان طلعت حرب، شاهدت بعيني الشرطة غير الرسمية تنتشر بكثافة في الميدانين وبخاصة في طلعت حرب، سمعت عن المواجهات التي كانت تحدث أمام نقابتي الصحفيين والمحامين، تلقيت اتصالاً من صديق معتصم أمام نقابة الصحفيين نقل لي الوضع كاملاً واختتم مهاتفته بجملة «لو الوضع استمر كده لغاية بالليل مش هيبقي في مصر صحفيين بره السجون»، وهي الاستغاثة التي بدأت تنتشر في الأوساط الصحفية والثقافية وفي أوساط المجموعات التي كانت تحاول التظاهر في وسط المدينة. مر اليوم سريعًا توجهت إلي جريدتنا في الزمالك، لم تنقطع الاتصالات بيني وبين أصدقائي إلي أن أبلغني أحدهم أن يوم غد «الجمعة» سيخرج الشعب كله عن بكرة أبيه بعد صلاة الجمعة للمطالبة برحيل النظام خصوصًا مع توارد أنباء عن مظاهرات في الإسكندرية والسويس والإسماعيلية وبعض المدن الأخري، وكانت الدعوة للجميع وليس لقوة معينة. خرجت من الجريدة في الرابعة مارًا بميدان التحرير فالوضع مازال علي حاله، بعض المتظاهرين يحاولون والأمن يمنعهم ويوقف الكثير ويشحنهم في سيارات ميكروباص تذهب إلي أماكن بعيدة في الطريق الصحراوي أو في آخر شارع الهرم أو في صحراء مدينة نصر كما روي لي الكثير، وحين وصلت إلي البيت تابعت الأمر أمام شاشات الفضائيات وعلمت أن البورصة المصرية أغلقت علي خسائر فادحة اقتربت من عشرة مليارات دولار، شعرت حينها أن الأمر يبدو مزعجًا. في الحادية عشرة ليلاً توجهت إلي التحرير مرة أخري لم يكن هناك جديد علي الاطلاق اللهم إلا أن الحالة الطبيعية بدأت تدب في شوارع القاهرة مع وجود أمني رسمي وغير رسمي إلا أن الناس كلها كانت في حالة ترقب لما ستسفر عنه جمعة «الغضب» كما أسماها المتظاهرون. (4) 28/1/2011 «الجمعة» استيقظت مصر كلها علي قطع كامل لخدمة الإنترنت والتليفونات المحمولة وكانت خطبة الجمعة في مسجد السلطان حسن بمنطقة القلعة أشبه ببيان لضبط النفس، وكان التواجد الأمني في خارج المسجد كبيرًا وخصوصًا وأنني لم أشهده في مثل هذه المنطقة من قبل، وما إن انتهت الصلاة حتي خرج الجميع في هتاف واحد «الشعب يريد إسقاط النظام»، خرجت معهم ولم تفلح محاولات الشرطة في قمع التظاهرة التي تجاوزت الآلاف بعد انضمام أهالي الحلمية الجديدة والدرب الأحمر، وكانت متجهة إلي ميدان التحرير إلا أنها فضت تقريبًا في مدخل شارع حسن الأكبر الذي يبعد عن قصر عابدين بأمتار، رجع الحشد متوجهًا إلي كل أقسام الشرطة في منطقة الحلمية والخليفة وإلي مقار الحزب الوطني في السيدة زينب والسيدة عائشة، وهو الأمر الذي أوقع كثيرًا من الضحايا في عمليات اقتحام تلك الأماكن ومنهم أخ صديق لي. كانت المواجهات في الرابعة عصرًا دامية، الرصاص كان يُطلق في كل الاتجاهات وكذا الحجارة وهو ما أدي إلي إصابتي في الرأس والوجه، وجدت أن الأمر أصبح خطيرًا علي حياتي فقررت الصعود إلي منزل أحد أقربائي في منطقة المقطم التي هي بالتأكيد أهدأ حالاً، وجدتها كذلك بالفعل ولكن لأنني في أعلي مكان بالقاهرة شاهدت بعيني الدخان الأسود يتصاعد في كل مكان وخصوصًا في منطقة التحرير ومنطقة الخليفة. المنطقة الهادئة لم تعد كذلك، فالمظاهرات بدأت تجوب الشوارع هناك وبدأت بعض عمليات السلب والنهب ومع انسحاب قوات الشرطة من الشوارع وإحراق الأقسام المحيطة للمنطقة. لم يكن في وسعي إلا الاحتماء في المنزل لكني آثرت النزول حتي بعد إعلان حظر التجول في القاهرة والسويس والإسكندرية من الساعة السادسة مساء حتي الثامنة صباحًا من اليوم الذي يليه ونزول قوات من الجيش لحماية الممتلكات العامة. توجهت إلي ميدان التحرير ولاحظت حالة الانفلات الشديد والفوضي الشديدة التي تعيشها المدينة، رأيت بعيني عمليات السلب والنهب لبنوك كثيرة وبعض المحلات التي كانت أبوابها سهلة الكسر، الوضع كان مخيفًا جدًا، وخصوصًا بعد اشعال الحرائق في أماكن عديدة بالقرب من المتحف المصري الذي وقف أمامه مجموعة من الفنانين والمثقفين ومنهم المخرج خالد يوسف، لاحظت أن كثيرًا من الناس التزموا بحظر التجول ولكن بعد مرور ساعات لم يلتزم أحد بالقرار والكل خرج إلي الشوارع، ليحتفل الجميع بمشاهدة المدرعات والدبابات التي بدأت في الانتشار تدريجيًا، ربما أغلب المشاركين في الأحداث لم يشاهدوا تلك الآليات في حياتهم وكان الهتاف وقتها «الجيش والشعب يد واحدة». مع انقطاع الاتصال اعتمدت علي عيني فقط في رصد الأحداث، ولكن الحالة الأمنية أجبرتني علي العودة لمتابعة الأخبار عن طريق القنوات الفضائية والبعد تمامًا عن التليفزيون المصري الذي ساهم في ارتكاب جريمة في حق الشعب مؤيديه ومعارضيه بعدم نقل الصورة كما رأيناها في الشارع. بعد منتصف الليل وبالتحديد قبيل خطاب الرئيس مبارك كنت في البيت، وعرفت عن طريق بعض زملائي الذين ذهبوا أيضًا إلي بيوتهم أن المتظاهرين من الشباب يحاولون منع الكثيرين من عمليات السلب والنهب التي استمرت حتي صباح اليوم التالي. (5) 29/1/2011 «السبت» كان الانفلات الأمني غير طبيعي مع ورود أنباء عن خروج آلاف المسجونين إلي الشارع، حتي أني سمعت طلقات الرصاص بالقرب من مديرية أمن القاهرة صباحًا، حيث يوجد سجن الاستئناف، مررت بميدان التحرير وجدت الوجوه قد تبدلت قليلاً، ولكن الأعداد بالطبع متزايدة لعدم وجود الشرطة، دخلت الميكروفونات وأصبح المتحدثون فيها مختلفين عما شاهدناهم من ذي قبل، كان لخالد الصاوي وأحمد عيد وعمرو واكد وخالد أبوالنجا حضور جيد، التف حولهم الناس، وهتفوا وراءهم. ومع الليل حضر إلي الميدان د.محمد البرادعي ومعه د.أسامة الغزالي حرب ومجموعة من مؤسسي الجمعية الوطنية للتغيير والكاتب علاء الأسواني وإبراهيم أصلان وغيرهم، لاحظت أن الميدان بدأ ينقسم إلي تكتلات لكني وقتها لم أحدد الاتجاهات. امتدت ساعات حظر التجول لتبدأ من الثالثة عصرًا ولا أحد ملتزم بها، لا أدري لماذا؟ وانتشرت ما يسمي باللجان الشعبية في الأحياء الراقية وغير الراقية، خرج شباب تلك المناطق للدفاع عنها بالسنج والمطاوي والشوم، كثرت الشائعات عن مجييء مجموعات مسلحة إلي المناطق ومهاجمة المنازل ولكن لم يحدث أمامي هذا علي الأقل حتي وإن سمعت ذلك من بعض الأشخاص في مناطق متفرقة، والحقيقة أنه لا يوجد شاهد عيان واحد قال لي «حدث لي كذا وكذا». سهرت حتي صباح اليوم التالي، كانت الامدادات من أهالي المنطقة رائعة أكواب من الشاي وقطع الكيك، وتطور الأمر في فجر هذا اليوم إلي صينية كبيرة بها «كبسة» وأخري بها «مكرونة بالبشاميل»، ومع ساعات الصبح الأولي صعد الجميع للنوم في منازلهم. (6) 30/1/2011 «الأحد» لم أستطع النوم تلك الليلة خصوصًا مع صوت طلقات النيران التي كانت تدوي بالقرب من مديرية الأمن، توجهت إلي ميدان التحرير نهارًا، وكانت حركة المرور صعبة وغير منضبطة بسبب الغياب الأمني، بعض الشباب كان يحل محل رجل المرور، ولكن الفوضي كانت عامة فالطرق أصبحت مباحة للذاهب والآتي، كثرت الحوادث، رأيت بالقرب من المعبد اليهودي سيارة تاكسي اقتحمت أحد المحلات بشكل غريب. استطعت في هذا اليوم تمييز بعض الوجوه التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، مع انضمام شيوخ من الأزهر وبعض القضاة، كثرت الوجوه الأجنبية من مرتادي منطقة وسط البلد من الصحفيين والمراسلين والنشطاء في مجال حقوق الإنسان، وجوه نراها كثيرًا علي مقاهي زهرة البستان والحرية وستراند وغيرها، الغريب أنهم كانوا يحملون لافتات تشير أيضًا إلي نفس المطالب. فجأة حدث هرج ومرج، قال لي أحدهم إن ضابطًا من قوات الجيش برتبة نقيب يقود التظاهر بالقرب من ميدان عبدالمنعم رياض، توجهت إلي هناك وجدت الضابط الذي عرفت بعد ذلك أن اسمه إيهاب محمد علي يقف أسفل تمثال الشهيد عبدالمنعم رياض يهتف «الجيش والشعب يد واحدة» ثم يكبر «الله أكبر»، التهب الموقف، وشاهدت كثيرًا من الناس يبكون تأثرًا بالمشهد. بدأت اللافتات الكبري تنتشر في أرجاء الميدان، العدد كان كبيرًا بالمقارنة بالأيام السابقة إلا أنه ليلاً بدأ في الانحسار التدريجي، وكان عمل اللجان الشعبية رائعًا لاستعادة الأمن في الشارع. (7) 31/1/2011 «الاثنين» حرصت في بداية هذا اليوم أن أتجول في الأسواق، بعض السلع الغذائية ارتفعت أسعارها، كثرت «طوابير العيش»، الوضع لم يكن مطمئنًا بالمرة، التقيت بأحد أصدقائي وهو متخصص في اللجان الشعبية قال لي إنه نزل أيضًا ليراقب جشع البائعين وأقسم لي أن الأسعار ستهبط مرة أخري لأن اللجان ستراقب الأمر بداية من يوم الثلاثاء. في طريقي إلي ميدان التحرير سمعت أخبارًا عن تشكيل الحكومة، وبدا الأمر عاديًا في الشارع لا يبالي أحد بأي أخبار، أما في التحرير فكانت التظاهرة الكبيرة أمام مطعم كنتاكي في الميدان ويقودها الفنان خالد الصاوي والفنان أحمد عيد، سمعت أخبارًا عن وجود المشير حسين طنطاوي في مبني التليفزيون الواقع علي كورنيش النيل والذي يبعد أقل من كيلو متر من ميدان التحرير، هاتفني أحد أصدقائي من الولايات المتحدة الأمريكية وقال لي إن لديه معلومات مؤكدة أن وزير الدفاع سيلقي بيانًا من مبني التليفزيون يؤكد فيه تنحي الرئيس عن منصبه وتولي الجيش زمام الأمر وهو بالطبع ما لم يحدث حيث اكتفي المشير بمصافحة جنوده وترك المكان، هكذا أظهرت التليفزيونات وهكذا قال لي شاهد العيان إضافة إلي وقوفه لأكثر من خمس دقائق مع مواطنين عاديين كانوا يسيرون علي الكورنيش أبلغوه كامل تقديرهم للجيش المصري الذي دافع عن التراب المصري في 1973، وقال لي أيضًا شاهد العيان إن المارة تجاهلوا الوزير أنس الفقي الذي كان يتجول مع المشير ولم أتأكد من صحة معلوماته لكنه كان مصدري الوحيد هناك. في الثانية والنصف وأثناء وقوفي مع الكاتب الصحفي إبراهيم عيسي في الميدان مرت فوقنا طائرة من طراز إف 16، كانت لحظات رعب لمعظم من كانوا في الميدان، الصوت لم يكن محتملاً للكثير، ثم تحول الأمر بعد مرور الطائرات لأكثر من مرة إلي شيء عادي، واستمر الشباب في هتافاتهم واستمر آخرون في توزيع علب «الكشري» والآخرون في تنظيف أرض الميدان. كانت نقطة الخطورة الحقيقية عند مبني وزارة الداخلية حيث سمع كل من في الميدان أصوات طلقات تدوي في الرابعة تقريبًا، سمعنا أنها محاولات لاقتحام المبني من قبل المتظاهرين واجهتها قوي الشرطة الموجودة بالداخل بوابل من الرصاص، سمعنا عن حالات وفاة، استغاث العديد بضباط الجيش، الغريب هي الاستجابة السريعة لهم حيث توجهت دبابتان وأربع مدرعات إلي حيث مبني وزارة الداخلية وسط تهليل المتظاهرين. ظل الحال كما هو عليه إلي المساء وفي طريقي للعودة إلي المنزل ومروري بجانب مديرية الأمن كان الوضع لا يزال عليه، وابل من الرصاص هنا وهناك منعًا لهروب المسجونين من سجن الاستئناف الملاصق للمديرية، مر الجميع من تلك المنطقة مهرولاً ومنحنيًا هربًا من طلقات الرصاص فاعتقد أنها كانت اللحظات الأصعب علي الاطلاق. (8) 1/2/2011 «الثلاثاء» استيقظت صباحًا علي جرس تليفوني المحمول، وكان شخص يستغيث، لا طعام عنده ولا يستطيع النزول لشراء حاجياته، أعلم أنه يوم تظاهرة المليون، لكن واجبي الإنساني كان يحتم عليّ المساعدة، قبل ذهابي إليه تفقدت السوق المجاور لمنزلي شعرت بالفعل أن الأسعار بدأت تتراجع تدريجيًا، استقللت تاكسي متوجهًا إلي منطقة العجوزة، بالطبع كانت الشوارع مكتظة بالناس، لا تواجد أمني علي الرغم من ورود أخبار عن نزول قوات الشرطة إلي الشارع في اليوم الذي سبقه، يستغرق المشوار من بيتي إلي العجوزة ربع الساعة تقريبًا، لكن الطرق كانت مقطوعة فاستغرقت ساعتين. توجهت إلي ميدان التحرير من كوبري 6 أكتوبر سيرًا، شعرت أن اليوم غير عادي، السيارات تتوقف علي جانبي الكوبري والأعلام تزينها، أغنية «يا حبيبتي يا مصر» لشادية في كل سيارة، شباب وفتيات يرسمون الأعلام علي وجوههم والكثير منهم يحملون الرايات، كرنفال حقيقي توقعته في الميدان. عند هبوطي من «مَنزَل» عبدالمنعم رياض كانت الطوابير كبيرة جدًا، وكانت هناك أكثر من نقطة للتفتيش والتأكد من البطاقة الشخصية، تلك النقط أقامتها اللجان الشعبية إضافة إلي القوات المسلحة، الكل كان متعاونًا لأقصي درجة استغرق دخولي الميدان حوالي ربع ساعة، الحشود كانت هائلة، لم أنتظر كثيرًا، لم أكن أستطيع حتي التجول، شعرت بضيق شديد وبفرحة أشد لتجمع كل هؤلاء المسيحي والمسلم، الكبير والصغير وربما الرضيع، الغني والفقير، العلماني والإخواني، ربما كان التجمع الأكبر الذي أشاهده في حياتي. امتلأ الميدان عن بكرة أبيه وامتلأت معظم الشوارع المؤدية للميدان، انسحبت الدبابات والمدرعات لمنتصف شوارع قصر النيل ومحمد محمود والتحرير وكان تقديري للأعداد يقترب بالفعل من نصف المليون أكثر قليلاً أو أقل قليلاً. بدأ الإرهاق ينهل مني حتي عدت إلي المنزل أصف كل شيء شاهدته لمن أقابله. في السابعة تقريبًا ذهبت إلي الميدان مرة أخري، كان دخولي من شارع التحرير حيث وجدت طابورًا كبيرًا علي محل «كشري التحرير»، ووجدت بعض الشباب ترص علب «الكشري» علي سيارة منادية «سخن ومولع بتلاتة جنيه»، وجدت رجالاً وسيدات هم في الأصل بائعون ربما يكونون متجولين علي الجانبين يبيعون أعلام مصر «الصغير بخمسة جنيهات والكبير بعشرة» آخرين يبيعون سندويتشات «الجبن الرومي والبيض» وآخرين بعلب المياه الغازية، إضافة إلي عربات الفيشار، اللافت للنظر أن الجميع كان يرضي بمكسب أعتقد أنه أقل من المعتاد. دخلت الميدان استطعت بنظرة تأملية غير عاطفية أن أحدد القوة التي تسيطر علي أجزاء بعينها من الميدان، فللإخوان المسلمين إذاعتان: الأولي أمام شاشة العرض الكبري التي نصبت بجانب «مطعم هارديز» وكانت تذيع مشاهد من قناة الجزيرة ويقف عليها مجموعة من الشباب يتبادلون الكلمات، والثانية أمام «مطعم كنتاكي» لا تختلف كثيرًا عن الأولي سوي أنها مقصد بعض الفنانين والنشطاء. القوة أو المجموعة الثانية هي قوة الشباب ويتركزون أمام مبني مجمع التحرير ومدخل الميدان عند كوبري قصر النيل، وفيها أقيم حفل غنائي أحياه مجموعة من الشباب بآلات الجيتار والعود. القوة الثالثة هي قلب الميدان بالقرب من المتحف المصري وميدان عبدالمنعم رياض وهي قوي «كوكتيل» من كل هؤلاء. لا أعلم ما الذي حدث فبالتأكيد تحول سروري وفرحي الشديد في الصباح إلي تأمل وترقب في المساء، وعند تجولي في الميدان كنت أنتظر مشاهدة الأراجوز مثلاً أو ساحر يقدم فقراته، كثير من أصدقائي الذين معي أطلقوا علي هذه الاحتفالية التي شاهدناها ليلاً «مولد سيدي الثورة»، قطعًا كان الليل غير النهار، خصوصًا بعد خطبة الرئيس مبارك والتي أعلن فيها عدم نيته للترشح مرة أخري في انتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة    
                                        توثيق محمد الشماع

السبت، 7 مايو 2011

الورد ال فتح فى جناين مصر


كان ممكن نبدأ من قبل كده بكتير اوى ..وخاصة انه هتبقى بلوج توثيقى بالدرجة الاولى للأحداث والظروف ال مرت بيها مصر قبل وبعد الثورة ..بس حبيت البداية تكون ..من هنا ..
من محطة الورود والزهور ال قطفتها ايد الغدر والاهمال والاستهتار .. ايد ملعونة فى كل كتاب .. وبطرح سؤال ..
هو احنا ممكن نتنازل عن حق ولادنا ...ودمهم ؟
أفتكر صعب جداً ...
يمكن دمهم مش اول سبب بنطالب بالقصاص من أجله ..لكن أعتقد انه أهم سبب  حالياً